ينبغي المحافظة على بعض الأعراف الأدبية الأصيلة للمضائف المحترمة والابتعاد عما يسيء لسمعتها وكرامتها وهيبتها.

وكلاء ومعتمدو مكتب سماحة المرجع

ينبغي المحافظة على بعض الأعراف الأدبية الأصيلة للمضائف المحترمة والابتعاد عما يسيء لسمعتها وكرامتها وهيبتها.

31/3/2018




أَعرب وكلاء ومعتمدو مكتب سماحة المرجع (دام ظله) من خطباء الجمعة عن أهمية أن تلتزم العشائر العراقية النظرة الواسعة في اختيار ودعم المرشحين، دون الوقوف على النظرة الضيقة المقتصرة على القرب القبلي الضيق في إطار المصلحة الوقتية، بل لابد من الوعي في الاختيار، محافظين في ذلك على القيم والأعراف الأدبية الأصيلة للمضائف، والابتعاد عن ما يسيء لسمعة وكرامة تلك المضائف المحترمة.

إلى ذلك قدم أصحاب السماحة والفضيلة جوانب مشرقة من سيرة المولى أمير المؤمنين والتي في مقدمتها حماية حقوق الإنسان حتى مع المناوئين له، مستشهدين بذلك بعددٍ من الوقائع الوثائق التاريخية العظيمة من سيرة ووصايا المولى أمير المؤمنين، ونحن نعيش في ذكرى ولادته العطرة هذه الأيام، ليقدموا العديد من القراءات لتلك السيرة العطرة النيرة، وفيما يأتي قطوفٌ من تلك الخطب المباركة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

*_ قال مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله  عليه):- الناس صنفان إِما أخ لك في الدين أَو نظير لك في الخلق.

* _ بداية نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك إِلى مقام ولي الله الأعظم الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه) بمناسبة ولادة المولى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه).

وفِي الواقع مما يؤسف له أَنه عند قراءتنا لحياة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)  فإننا نختصر شخصيته في الغالب ببعدين أساسيين وإغفال بقية الجوانب الأُخرى في شخصيته الفذة وهذان الجانبان هما:

ا - جانب البطولة والشجاعة:- فترانا نتغنى ببطولة علي (سلام الله عليه) وعن كيفية قتله للأبطال، وكم صرع بسيفه لوحده ولا شك أَن علياً أَشجع العرب وأَمضاهم بأساً، ولكن هل هذا هو أَهم شيء في شخصيته.!.

ب- الجانب الآخر (جانب المعاجز والكرامات):- وألفت في ذلك المؤلفات قديماً وحديثاً ولا شك أَن علياً له الكثير الكثير من هذه الكرامات، ولكن ماذا عن بقية الجوانب الأُخرى في شخصيته.!.

أنّ هذا لا يختصر تلك الشخصية الريادية، فهناك جوانب وأبعاد أخرى أكثر أهمية لا يجوز تغييبها أو إغفالها، ومن أهمّ تلك الأبعاد البعد الإنساني في شخصية الإمام (عليه السلام) ففي عطائه الفكري هو ملهم للإنسانية جمعاء، وفي سلوكه الأخلاقي والعملي جسد أنبل القيم الإنسانية، ولهذا فهو ـ بحق ـ ملك الإنسانية وليس ملكاً للمسلمين أو الشيعة.

* _ أولت الشريعة الإسلامية الغراء بالغ الأهمية لمسألة رعاية الإنسان وضمان متطلباته وواجباته دون الالتفات إلى لونه وشكله ودينه.

فبعد عصر مظلم مُلئ بالظلم من وأد البنات وسبي للفقراء والمساكين والطبقية والتمييز العنصري جاء الدين الإسلامي ليدافع عن حقوق الإنسانية بكل معانيها وشروطها دون تمييز أو تفضيل لشخص على آخر.

* _ عُرف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) طوال حياته المباركة تمسّكه بالحق بكل صلابة، وذلك جَعَل الكثير من سادة قريش وزعماء العرب يعادونه، ويلتحقون بصفوف معاوية بن أبي سفيان.

وقد ضاق الاشراف منهم بتسويته في القسمة بينهم وبين العامة، وقد كان (عليه السلام) واعياً لذلك، ولكنه لم يتنازل عن هذا السلوك قَيد أنملة.

وفي هذا الصدد يحسن بنا أَن نتأمل في كتاب له (عليه السلام) أَرسله إلى سهل بن حنيف الأنصاري ـ عامله على المدينة ـ يذكر فيه قوماً من أهل يثرب يلتحقون بمعاوية بن أبي سفيان: (أما بعد فقد بلغني أن رجالاً ممن قِبلك يتسللون إلى معاوية، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غياً ولك منهم شافياً فرارهم من الهدى والحق وإيضاعهم إلى العمى والجهل، وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها ومهطعون لها قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الأثرة فبعداً لهم وسحقاً إنهم والله لم ينفروا من جور ولم يلحقوا بعدل وإنا لنطمع في هذا الأمر أن يذلل الله لنا صعبه ويسهل لنا حَزَنَه إن شاء الله والسلام).

بهذا الكلام اثبت الإمام علي (عليه السلام) أنه أنموذج نادر في الدفاع عن حقوق الإنسان يتجاوز المجتمع الإسلامي ليشمل المجتمع البشري كله.

فإذا أصبح موضوع حقوق الإنسان اليوم معروفاً منذ العصور المتأخرة، فان الحضارة الإسلامية تفخر بأنها أنجبت أنموذجاً نادراً في مقاومة مظاهر الحيف جميعها، ونصرة حقوق الإنسان, وسيسجل تاريخ الإنسانية المواقف الخالدة التي وقفها الإمام علي (عليه السلام) في الدفاع عن حقوق الإنسان.

* _ ومن هنا فإن الحكم لم يكن لدى الإمام (عليه السلام) غاية في حَدِّ ذاته، ولم يَسْعَ إليه في يوم من الأيام، بل كان من أزهد الناس به.

 

وهذا ما روي عن عبد الله بن عباس عند خروج الإمام علي (عليه السلام) لقتال أهل البصرة قال: دخلت على أمير المؤمنين بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، قال: (والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً).

فالسلطة لا تعني عند أَمير المؤمنين (عليه السلام) إلا إقامة الحقوق، ومقاومة الباطل وأهله أينما حل وأينما كان، ومن دون ذلك فان نعله البالية أَحب إِليه منها.

* _ يريد البعض تشويه الحقيقة والنيل من أمير المؤمنين فيدعي أَن مدّة حكمه قد قضاها (عليه السلام) في الحروب على المتمردين على حكم الله تعالى، فكيف يمكن أَن يجمع بين حقوق الإِنسان وقتاله المرتدين؟

والجواب هو أن الدفاع عن حقوق الإنسان يقتضي في بعض الأَحيان مقاومة أهل الظلم والبغي وكل قوى الشر المعادية للإنسان وحقوقه، وذلك في مرحلة معينة يكون فيها تمرد المتمردين خطراً على حياة الناس في الدولة وموجبا لتفكك وحدتها وتهديد سلامتها، لذا فان الروايات تُجمِع على أن الإمام علياً (عليه السلام) لم يقاتل إلا دفاعاً عن العدل ليقيم الحق، ويقاوم الاضطهاد بمختلف أَنواعه، وبخاصة الاضطهاد السياسي والاجتماعي.

ولطالما كان موقف الخوارج شاهدا على هذه الحقيقة، إِذ أَن هذه الفئة التي أَعلنت مخالفتها لأَمير المؤمنين (عليه السلام) في الفكر والمنهج لم تتعرض للمضايقات من حكومته (عليه السلام)، بل بقوا يحتفظون بحق الحياة والعطاء وسائر ما للمسلمين من حقوق، ولم يشن الإِمام عليهم حملته العسكرية إِلا بعد أَن حملوا السيف وسفكوا الدماء وانتهكوا الحرمات.

 * _ فقد كان عليّ (عليه السلام) قريباً من عامة الناس سهلاً هيّناً يلقى أبعد الناس وأقربهم بلا تصنع ولا تكلف، كان يتعامل مع الناس كفرد منهم، يعيش مشاكلهم وآلامهم وهمومهم، ويحب المساكين، ويتودد للفقراء، ويعظم أهل الإيمان والتقوى.كان من سلوكه الإنساني المتواضع والرقيق واللين والمرن مقابلته لمن يلقاه بطلاقة المحيا والابتسامة الحلوة و بشر الوجه.

وفي موقف آخر نجد كيف أن أمير المؤمنين يعطف على رجل مسيحي مسن بعدما تُرك لمصيره في الشارع, فيأمر بأن يُنفق عليه من بيت المال، فقد كان الإمام في شوارع الكوفة.. فمر بشخص يتسول وهو شيخ كبير السن، فوقف (عليه السلام) متعجباً وقال (عليها السلام): ما هذا؟ ولم يقل من هذا، يعني لم يسأل عن هوية الشخص وإنما سأل عن هذه الظاهرة الموجودة في دولته فكأنه (عليه السلام) رأى شيئاً عجيباً يستحق أن يتعجب منه، فقال أي شيء هذا؟

قالوا: يا أمير المؤمنين إنه نصراني قد كبر وعجز ويتكفّف. فقال الإمام (عليه السلام): ما أنصفتموه.. استعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه، اجروا له من بيت المال راتباً.

وهكذا أيها المؤمنون لم نقتصر إنسانية علي على المسلمين فقط ولا مع غير المسلمين وإنما شملت أعداءه وقاتليه فهكذا ختم علي (عليه السلام) حياته بإنسانية فحينما وصف الأطباء اللبن دواءً للإمام (عليه السلام) حمل الإِمام الحسن (عليه السلام) كوباً من اللبن إِلى الإِمام علي (عليه السلام)، فلما شرب منه قليلاً ناول ولده بقية الكوب وقال: خذوه لأسيركم! أطعموه مما تأكلون, واسقوه مما تشربون, الله الله في أسيركم.

هذه إنسانية أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) التي علينا أَن نتأسى بها أَن كنّا مؤمنين.

*_ وصيتنا إِلى العشائر الأصيلة بالالتزام بالقيم الإِنسانية والمبادئ الحقة وأَن لا يكونوا للظالم عوناً وأَن تكون نظرتهم لمستقبل العراق وخدمته لا من يخدم العشيرة فقط، وأَن لا تأَخذهم النظرة العشائرية الضيقة ولا المصالح الوقتية وأَن يكون الاختيار للمرشحين على أسس منطقية واعية كما وينبغي المحافظة على بعض الأعراف الأدبية الأصيلة للمضائف المحترمة والابتعاد عما يسيء لسمعتها وكرامتها وهيبتها.

أرسال
طباعة
حفـظ