ينذرون بخطر ارتفاع السنة الملوحة في مياه شط العرب، ويدعون إِلى حلول عملية مناسبة لذلك.

من منبر الجمعة/ وكلاء ومعتمدو سماحة المرجع

ينذرون بخطر ارتفاع السنة الملوحة في مياه شط العرب، ويدعون إِلى حلول عملية مناسبة لذلك.

5/7/2018




أنذر وكلاء ومعتمدو مكتب سماحة المرجع (دام ظله) من حصول كارثة إنسانية بيئية حقيقية في محافظة البصرة، بعد ارتفاع نسبة الملوحة في مياه شط العراق، لاسيما بعد حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وقلة ساعات تجهيز الطاقة الكهربائية.. مما سيشكل خطراً على الإِنسان والحيوان والبيئة هناك، داعين في ذلك لوضع الحلول الواقعية العملية المناسبة لذلك، لا من خلال الندوات والمؤتمرات التي كثرت ولم تؤتِ أية نتائج.

إِلى ذلك قدم أصحاب السماحة والفضيلة من خلال منبر الجمعة العديد من التوجيهات التي نبَّهت إِلى وجوب وضرورة احترام التشريعات الدينية من قبل المجتمع، مستحضرين في ذلك العديد من الأمثلة التي مرت فيها الشعوب الماضية، وفيما يأتي نصوصٌ من خطب الجمعة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال تعالى: (وسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيِهمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيِهمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).

*_ الآية الشريفة تستعرض مشهداً من تاريخ بني إسرائيل الزاخر بالحوادث، وهو مشهد يرتبط بجماعة منهم كانوا يعيشون عند ساحل بحر، غاية ما في الأمر أن الخطاب موجه فيها إلى الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله )، فيقول له:- اسأل يهود عصرك حول تلك الجماعة، يعني جدّد هذه الخاطرة في أذهانهم عن طريق السؤال ليعتبروا بها، ويجتنبوا المصير والعقاب الذي ينتظرهم بسبب طغيانهم وتعنتهم.

* هذه القصّة ـ كما أُشير إليها في الأحاديث الإِسلامية ـ ترتبط بجماعة من بني إسرائيل كانوا يعيشون عند ساحل أحد البحار (والظاهر أنّه ساحل البحر الأحمر المجاور لفلسطين) في ميناء يسمى بميناء "أيلة" (والذي يسمى الآن بميناء ايلات)، وقد أمرهم الله تعالى على سبيل الاختبار والاِمتحان أن يعطّلوا صيد الأسماك في يوم السبت، ولكنّهم خالفوا هذا التعليم، فأصيبوا بعقوبة موجعة مؤلمة، في البداية تقول الآية: (وسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ)، أي اسأل يهود عصرك عن قضية القرية التي كانت تعيش على ساحل البحر.

ثمّ تقول: وذكّرهم كيف أنّهم تجاوزوا ـ في يوم السبت ـ القانون الإِلهي (إذ يَعدون في السبت)؛ لأنّ يوم السبت كان يوم عطلتهم، وكان عليهم أن يكفوا فيه عن الكسب، وعن صيد السمك ويشتغلوا بالعبادة، ولكنّهم تجاهلوا هذا الأمر.

ثمّ يشرح القرآن العدوان المذكور بالعبارة التالية: (إِذْ تَأْتِيِهمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً) فالأسماك كانت تظهر على سطح الماء في يوم السبت، بينما كانت تختفي في غيره من الأيّام.

و«السبت» في اللغة تعني تعطيل العمل للاستراحة، وما نقرؤه في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً) إِشارة ـ كذلك ـ إلى هذا الموضوع، وسمّى «يوم السبتِ» بهذا الاسم لأنّ؛ الأعمال العادية والمشاغل الحياتية كانت تتعطل في هذا اليوم، ثمّ بقي هذا الاِسم لهذا اليوم علماً له.

* _ من البديهي أنّ صيد الأسماك يشكّل لدى سكنة ساحل البحر مورد كسبهم وتغذيتهم، وكأنّ الأسماك بسبب تعطيل عملية الصيد في يوم السبت صارت تحس بنوع من الأمن من ناحية الصيادين، فكانت تظهر على سطح الماء أفواجاً أفواجاً، بينما كانت تتوغل بعيداً في البحر في الأيّام الأُخرى التي كان الصيّادون فيها يخرجون للصيد.

إنّ هذا الموضوع سواء كان له جانب طبيعي عادي أم كان له جانب استثنائي وإلهي، كان وسيلة لامتحان واختبار هذه الجماعة، لهذا يقول القرآن الكريم: وهكذا اختبرناهم بشيء يخالفونه ويعصون الأمر فيه: (كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، وجملة (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) إشارة إلى أنّ اختبارهم كان بما من شأنه أن يجذبهم ويدعوهم إلى نفسه، وإلى المعصية والمخالفة، وجميع الاختبارات كذلك؛ لأن الاختبار يجب أن يبيّن مدى مقاومة الأشخاص أمام جاذبية المعاصي والذنوب.

* _عندما واجهت هذه الجماعة من بني إسرائيل هذا الاِمتحان الكبير الذي كان متداخلاً مع حياتهم تداخلاً كاملاً، انقسموا إلى ثلاث فرق:

الفريق الأوّل: وكانوا يشكّلون الأكثرية، وهم الذين خالفوا هذا الأمر الإِلهي.

الفريق الثّاني: وكانوا على القاعدة يشكلون الأقلية، وهم الذين قاموا ـ تجاه الفريق الأوّل بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الفريق الثّالث: وهم الساكتون المحايدون الذين لم يوافقوا العصاة، ولا قاموا بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وفي الآية التي تلي الآية المبحوثة هنا تشرح الحوار الذي دار بين العصاة، وبين الذين نهوهم عن ارتكاب هذه المخالفة فيقول: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً)، فأجابهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر: بأنّنا ننهى عن المنكر لأنّنا نؤدي واجبنا تجاه الله تعالى، وحتى لا نكون مسؤولين تجاهه، هذا مضافاً إلى أنّنا نأمل أن يؤثر كلامنا في قلوبهم، ويكفوا عن طغيانهم وتعنتهم (قالوا معذرة إلى ربّكم ولعلّهم يتقون).

ويستفاد من الجملة الحاضرة أنّ هؤلاء الواعظين كانوا يفعلون ذلك بهدفين:

الأوّل: أنّهم كانوا يعظون العصاة حتى يكونوا معذورين عند الله.

والآخر: عسى أن يؤثروا في نفوس العصاة، ويفهم من هذا الكلام أنّهم حتى مع عدم احتمال التأثير، فإنّهم كانوا لا يحجمون عن الوعظ والنصيحة في حين أن المعروف هو أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروطين باحتمال التأثير.

ولكن لابدّ من الانتباه إلى أنّه ربّما يجب بيان الحقائق والوظائف الإِلهية حتى مع عدم احتمال التأثير، وذلك عندما يكون عدم بيان الأحكام الإِلهية، وعدم إنكار المنكر سبباً لتناسي وتنامي البدع، وحينما يعدّ السكوت دليلاً على الرضا والموافقة، ففي هذه الموارد يجب إظهار الحكم الإِلهي في مكان حتى مع عدم تأثيره في العصاة والمذنبين.

إنّ هذه النقطة جديرة بالالتفات، وهي أنّ الناهين عن المنكر كانوا يقولون: نحن نريد أن نكون معذورين عند (ربّكم) وكأنّ هذا إشارة إلى أنّكم أيضاً مسؤولون أمام الله، وإنّ هذه الوظيفة ليست وظيفتنا فقط، بل هي وظيفتكم تجاه ربّكم في الوقت ذاته.

* _ كيفَ ارتكبوا هذه المعصية؟

يستفاد من بعض الرّوايات أنّهم عمدوا في البداية إلى ما يسمى بالحيلة الشرعية، فقد أحدثوا أحواضاً إلى جانب البحر، وفتحوا لها أبواباً إلى البحر، فكانوا يفتحون هذه الأبواب في يوم السبت فتقع فيها أسماك كثيرة مع ورود الماء إليها، وعند الغروب حينما كانت الأسماك تريد العودة إلى البحر يوصدون تلك فتحبس الأسماك في تلك الأحواض، ثمّ يعمدون في يوم الأحد إلى صيدها، وأخذها من الأحواض، وكانوا يقولون: إنّ الله أمرنا أن لا نصيد السمك، ونحن لم نصد الأسماك إنّما حاصرناها فقط.

ويقول بعض المفسّرين: إنّهم كانوا يرسلون كلاليبهم وصناراتهم وشباكهم في البحر يوم السبت، ثمّ يسحبونها يوم الأحد وقد علقت بها الأسماك، وهكذا كانوا يصيدون السمك حتى في يوم السبتِ ولكن بصورة ماكرة.

ويظهر من بعض الرّوايات الأُخرى أنّهم كانوا يصيدون السمك يوم السبتِ من دون مبالاة بالنهي الإِلهي، وليس بواسطة أية حيلة.

ولكن من الممكن أن تكون هذه الرّوايات صحيحة بعد جمعها وذلك أنّهم في البداية استخدموا ما يسمى بالحيلة الشرعية، وذلك بواسطة حفر أحواض إلى جانب البحر، أو إلقاء الكلاليب والصنارات، ثمّ لما صُغرت هذه المعصية في نظرهم، جرَّأهم ذلك على كسر احترام يوم السب وحرمته، فأخذوا يصيدون السمك في يوم السبت تدريجاً وعلناً، واكتسبوا من هذا الطريق ثروة كبيرة جداً.

* _ أيها المؤمنون:- من اخطر الأسلحة الفتاكة المخالفة والمعصية تحت غطاء الحيلة الشّرعية، إنّ الآيات الحاضرة وإن كانت لا تتضمّن الإشارة إلى تحايل أصحاب السبت في صعيد المعصية، ولكن ـ كما أسلفنا ـ أشار كثير من المفسّرين في شرح هذه الآيات إلى قصّة حفر الأحواض، أو نصب الصنارات في البحر في يوم السبت، ويشاهد هذا الموضوع نفسه في الرّوايات الإِسلامية، وبناء على هذا تكون العقوبة الإِلهية التي جرت على هذا الفريق ـ بشدة ـ تكشف عن أن الوجه الحقيقي للذنب لا يتغير أبداً بانقلاب ظاهره، وباستخدام ما يسمى بالحيلة الشرعية، فالحرام حرام سواء أتي به صريحاً، أو تحت لفافات كاذبة، ومعاذير واهية.

إنَّ الذين تصوروا أنّه يمكن بالتغيير الصوري تبديل عمل حرام إلى حلال يخدعون أنفسهم في الحقيقة، ومن سوء الحظ أن هذا العمل رائج بين بعض الغفلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الدين وهذا هو الذي يشوّه وجه الدين في نظر الغرباء عن الدين، ويكرّهه إليهم بشدّة.

إن العيب الأكبر الذي يتسم به هذا العمل ـ مضافاً إلى تشويه صورة الدين ـ هو أن هذا العمل التحايلي يصغر الذنب في الأنظار ويقلّل من أهميته وخطورته وقبحه، ويجرّئ الإِنسان في مجال الذنب إلى درجة أنّه يتهيأ شيئاً فشيئاً لارتكاب الذنوب والمعاصي بصورة صريحة وعلينه، فنحن نقرأ في نهج البلاغة :-

أنّ الإِمام عليّاً (عليه السلام) قال: «إنّ القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربّهم، ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية، فيستحلّون الخمر بالنّبيذ ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع» (الخطبة 156).

 

 

وهنا يشير أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) الى ما نعيشه الْيَوْمَ من استحلال الحرام تحت عناوين مباحة كما في (الفقاع المحرم ) تحت عنوان البيرة الإِسلامية وأخذ الرشا السحت بعنوان الهدية واكل الربا بعنوان البيع والمعاملات الباطلة.

ويجب الاِنتباه إلى أَن الدافع وراء أمثال هذه الحيل، إمّا إلباس الباطن القبيح بلباس قشيب وإظهاره بمظهر حَسَن أمام الناس، وإمّا خداع الضمير، واكتساب طمأنينة نفسية كاذبة . فعلينا أَن نحذر من العقوبات الإلهية .

نسال الله تعالى الثبات.

* _ مشكلة ازدياد ملوحة مياه شط العرب تنذر بكارثة بيئية إنسانية حقيقية في محافظة البصرة، حيث تعد ظاهرة ارتفاع نسبة الملوحة في مياه شط العرب مشكلة مزمنة منذ عدة سنوات، ولكنها تفاقمت الآن وخاصة مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة وقلة ساعات تجهيز الكهرباء ولذا فهي تشكل خطراً على الإِنسان والحيوان، كما إِنها تهدد الواقع الزراعي مع تزايد تقدم اللسان الملحي، فعلى الجهات المعنية الإسراع بوضع الحلول الواقعية العملية المناسبة وليس من خلال الندوات والمؤتمرات التي كثرت ولَم تؤتِ نتائج عملية.

نسأله تعالى اللطف بهذا الشعب المظلوم..

أرسال
طباعة
حفـظ