مدير مكتب سماحة المرجع (دام ظله): على المسؤولين مراعاة معتقدات مكونات الشعب في المناهج الدراسية ألقى سماحة الشيخ علي النجفي (دام تأييده) مدير مكتب سماحة المرجع (دام ظله) كلمة في مؤتمر المبلغين والمبلغات لاستقبال شهر رمضان والذي أقيم في النجف الأشرف حيث بين توجيهات المرجعية الدينية للمبلغين والمرشدين في المرحلة القادمة والتي يجب إيصالها للمؤمنين عبر مجالس الوعظ والإرشاد مشددا في الوقت ذاته على المسؤولين الالتزام بواجباتهم تجاه الشعب العراقي الذي استبيح في ظل النظام السابق وما يزال مستباحاً ومهاناً جراء نقص الخدمات وغلاء المعيشة وفقدان الأمن مضيفاً على المسؤولين مراعاة معتقدات مكونات الشعب في المناهج الدراسية لا أن يتم فرض معتقدات تخالف ما تعتقد به بعض المكونات الأخرى وإن الشعب العراقي لا تمر زيارة دينية إلا ويدفع العديد من أبنائه القرابين في مسيرة الولاء لآل بيت العصمة والطهارة، هذا وفي نص الكلمة العديد من التوجيهات والملاحظات وفيما يلي نص الكلمة: كلمة مكتب سماحة آية الله العظمى المرجع الديني الكبير الشيخ بشير حسين النجفي (دام ظله) إلى الخطباء والمبلغين لمناسبة حلول شهر رمضان المبارك. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ الحمد لله رب العالمين بارئ الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على سيد الكونين جد الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة محمد بن عبد الله وعلى آله السادة الميامين واللعنة على أعدائهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. قال الله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). لا ريب إن الإيمان هو المناط في الفوز بالقرب الإلهي في الآخرة ومناط العزة والكرامة في الدنيا، فإن العزة الحقيقية تكتسب به وما يتخيله الإنسان عزة بغير الإيمان كالتي ينشأ وهمها من المال والجاه والمنصب الدنيويين ونحوها فهي ليست بعزة وإنما هي ذلة في لباس العزة لأن ذلك تجسيد الخضوع لغير الله سبحانه والخنوع لطلبات النفس الأمّارة من جهة والتذلل للمال ونحوه من جهة أخرى والله سبحانه قد كرّم البشر وأعزّهم وسلّطهم على غيرهم من الكائنات التي هي دونهم ببركة العقل قال الله سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). فيتخيل الإتسام العزة بما جُعل الإنسان فوقه وجُعل ذلك لخدمته فالارتفاع به يعتبر منتهى السقوط في مهاوي الذلة ومن هنا قال الله سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، فكانت العزة لله بمقتضى ذاته المقدسة ولرسوله لكونه يحمل الهداية منه لعباده وللمؤمنين لإيمانهم وتصديقهم بالنبي في كل ما جاء به فالعزة كل العزة في الخضوع للبارئ جلّت عظمته وطاعة المعصومين عزة لأنها طاعة لله سبحانه: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ). والآية التي تشرفنا بجعلها عنواناً للتحدث إلى الإخوة الحضور تحدد لنا معالم الإيمان المطلوب منا جميعاً فإنها نصّت على أن الخوف والوجل من الله سبحانه عند ذكره وإزدياد الإيمان وقوته حين الاستماع إلى الآيات المتلوّة علينا، كذلك الثقة المطلقة بالله سبحانه والتوكل عليه وحده لابد منه في كسب حقيقة الإيمان. نعم التوكل عليه لا ينافي التوسل والتشفع والإستشفاع بالذوات المقدسة التي أمرنا بالتوسل بهم إليه تعالى. ومعلوم إن الإيمان المطلوب لا يكمل بدون الإتيان بالواجبات كلها وإجتناب المحرمات كافة ... أشير في الآية الشريفة إلى أهم الواجبات وهو: إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله على من يفتقر من المؤمنين. وتخصيص الصلاة بالذكر لا يبعد أن يكون من جهة أنها أهم العبادات ويستفاد من بعض الروايات هي الفاصل بين المؤمن وغيره أو لأن الصلاة المطلوبة التي تصلح القبول لا تتأتّى بدون الالتزام بالإحكام الشرعية كافة حيث قال الله سبحانه (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، فلا تقوى بدون أداء الواجبات ومن دون التورع عن المحارم والمعاصي كلها.وتخصيص الإنفاق بالذكر إما لأن الإنفاق يعم جميع أنواع التعاون بين المؤمنين إذ ليس فيها ما يقتضي الاختصاص بالمال بل بكل ما يعد رزقاً من الله سبحانه وكان بذله مما دعت إليه الشريعة الغراء تعمها الآية أو أن المقصود بالبذل هو إنعاش الفقراء من المؤمنين فتكون الغاية هي خلق روح التعاون والتعاطف في المجتمع تحقيقاً لمعنى قوله سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ). ونحن في هذا الموقف مع إخوتنا الخطباء الأجلاء ينبغي أن نلتفت إلى أمور: الأمر الأول: يجب أن نعلم أن الدعوة إلى الإيمان الحقيقي لا تتحقق بدون تجسيد التقوى من الداعي فإن العمل من قبل الداعي يخلق لديه من الصفاء الروحي المقتضي لقوة التأثير فيمن يملك صلاحية التأثير فيه من البشر ولذلك كان هناك تنبيه وتركيز وتحذير في الآيات الشريفة تجاه من يأمر بالمعروف ولا يأتمر به وينهى عن المنكر ولا يتناهى عنه قال الله سبحانه: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) فيجب علينا جميعاً التسلح بالتقوى والالتزام بالشريعة الغراء التزاماً واقعياً كي نتمكن من أداء وظيفتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعلوم أن الناس تتعلم وتستفيد من سلوكنا أكثر من استفادتهم بأقوالنا. الأمر الثاني: على خطبائنا الأجلاء وأئمة المساجد بيان عظمة الصوم وجلالة قدره للناس وعلو شأنه من بين العبادات والتركيز على أن الصوم أحد أبرز العوامل المحققة للتقوى حيث قال الله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ومعلوم أن التقوى هي البغية السامية لكل مؤمن باعتبارها مناط قبول الإعمال وهي من سمات شيعة علي أبن أبي طالب(ع) ومهوى قلوب الصالحين ومحطّ رحال السالكين إلى الله سبحانه. الأمر الثالث: ينبغي للخطباء وأئمة الجماعة حث الناس على الالتزام بالحضور في المساجد لصلاة الجماعة فإن شهر رمضان ربيع المساجد وقلوب الصالحين تتوق إليها والى الجلوس فيها للعبادة أثناء هذا الشهر الشريف فالصائم ضيف الله فينبغي أن يكون أهم الأمكنة وأحبها إليه هو الجلوس في بيوت الله فأن الجلوس في المسجد ولو لإنتظار حلول وقت الصلاة هو عبادة وهو من سمات عباد الله الصالحين الذين يرجون رحمة الله سبحانه وينبغي أن يعلم المؤمنون أهمية الحضور في المساجد وقد روي أن الرسول الأعظم (ص) لم يأذن لرجل بصير عاجز عن الرؤية فاقد لمن يقوده إلى المسجد لم يسمح له بالصلاة في البيت بل أمره أن يستعين بحبل يشدّه بباب المسجد ليهتدي به إليه وقد هدد أمير المؤمنين (ع) بهدم بيوت بعض المتخلفين عن الحضور في المسجد للصلاة. فالإهتمام بالصلاة في المسجد جماعة ينبغي أن يكون من أولويات المؤمن. الأمر الرابع: على خطبائنا الأعزاء وأئمة الجماعة التركيز على الإهتمام بمستحبات شهر رمضان مثل تلاوة القرآن الكريم وزيارة الإمام الحسين (ع) في النصف من هذا الشهر وفي ليالي القدر المباركة كما يجب تنبيه الناس على بذل التعاون الاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي للمؤمنين مطلقاً ولا سيما في هذا الشهر الشريف تحقيقاً لمعنى الإيمان الذي لا يتجسد إلا بالتعاون والتعاطف والتكاتف والتناصر على مشاكل الحياة من جهة والإقتراب لبعضهم من بعضهم من جهة أخرى. الأمر الخامس: على الخطباء وأئمة الجماعة تنبيه المسؤولين على الالتزام بواجباتهم تجاه الشعب العراقي المظلوم الذي سحق واستبيحت كرامته وأضيع عزه في النظام البائد وما زال مهملاً ومستهاناً ومسلوب الكرامة فإن حق الشعب في العيش الكريم مع التمكن من الوصول إلى لقمة الحلال من الواجبات التي يجب على المسؤولين القيام بها فهناك غلاء فاحش والبطالة جاوزت كل الحدود المعقولة في أي بلد وهناك ثروات زويت عن الشعب وتستهلك فيما لا يعود نفعه إلا للمستغلين وهناك فقدان الأمن فلا تمر زيارة مخصوصة إلاّ ويقدم هذا الشعب فيها القرابين على مذبح الدين وولاء أهل البيت (عليهم السلام). فلسنا ندري إلى متى هذا الاستذلال للشعب وإلى متى هذا الإهمال ومتى يستيقظ المسؤولون من غفوتهم. وهناك تناحر وتجاذب سياسي قل مثيله على المناصب واستغلالها فيجب على المسؤولين السعي في حل هذه المشاكل بما يعود نفعه على الشعب ويجب تلبية مطالب الشعب في أي مشروع يطرح لحل المشاكل السياسية والاقتصادية والتربوية وأهمها إصلاح المناهج في المدارس والمعاهد والجامعات، فيجب ملاحظة مكونات الشعب العراقي من المذاهب الدينية والقوميات المختلفة فلابد أن يكون لكل طائفة من المسلمين منهج ديني يخصّه وكذلك يجب مراعاة الاختلاف القومي بين العرب والأكراد فلا يحرم الكردي في المناطق العربية من لغته ولا العرب في الشمال من دراسة اللغة العربية فإن التنكر لمكونات الشعب بحجة الوحدة الوطنية ضرب لتلك الوحدة وإثارة واستفزاز لبعض المكونات ضد البعض الآخر. وهناك مصبية أخرى كانت من ابرز سمات النظام البائد وهي السعي في محاربة الولاء لأهل البيت والشعائر الحسينية وبلغنا أن هناك من المسؤولين من تحزم لمحاربة هذه الشعائر في مجالات مختلفة بل تسلل هذا المرض فاستولت هذه المصيبة على مشاعر بعض الأساتذة الجامعيين فيعبر عنها بأنها عمل غير حضاري وأن الصرف في سبيلها تضييع للمال والمشي لزيارة سيد الشهداء مضيعة للوقت ومتعبة بدون هدف عقلاني والتطبير تضييع للدم وتعريض النفس للهلاك ونحو ذلك من الأفكار السخيفة والأقوال الطائشة التي لا تنبئ إلا عن التنكر لعظمة هذه الشعائر. ويجب أن نعلم أنه لم يبقَ الدين الإسلامي إلى يومنا هذا إلا من خلال هذه الشعائر ولم ينتشر مذهب الحق في مشارق الأرض ومغاربها إلا ببركة الشعائر الحسينية التي التزم بها آباؤنا فهي تشكل حركات قلوبنا وتعيش مع أنفاسنا وصوت خلجات قلوبنا فنحن على استعداد تام لبذل كل غالٍ ونفيس في سبيلها وضمان استمرارها ولا يغرّن أحداً ما أغتر به غيره فأن السابقين قد جربوا حظوظهم من لدن أمثال المتوكل العباسي إلى النظام البائد فلم ينالوا في معارضتهم للشعائر إلاّ ما أودى بهم إلى ما يستحقون فنرجو من الخطباء التركيز على التمسك بهذه الشعائر. فنرجو الله سبحانه أن يكون هذا الشهر الشريف مقدمة للفرج عن هذا الشعب المظلوم فيستعيد كرامته ويفتح الله سبحانه له أبواب العيش الكريم وتنتهي البطالة وترخص الأسعار ويسود الأمن وتأمن الطرق وتلتحم النفوس وتقطع الأيدي التي تسعى في خلق التنافر والتناحر الطائفي والقومي بين أفراد الشعب العراقي المظلوم وتتوفر الخدمات من الكهرباء والماء ووسائل العلاج للمرضى. والسلام |